فخر الدين الرازي

57

شرح عيون الحكمة

المسألة الثالثة في ( دلالة الجزئي على المعنى ) اعلم : ان لفظ الجزئي يطلق على أمرين : أحدهما : الشخص المعين : وهو الذي نفس تصور معناه يمنع من وقوع الشركة فيه . وهو الذي ذكرناه في أول هذا الباب . والثاني : هو أن كل شيئين أحدهما أخص من الآخر ، فإنه يقال لذلك الأخص : انه جزئي بالقياس إلى ذلك الأعم . والفرق بين هذين المعنيين والآخر من وجهين : أحدهما : أن الجزئي بهذا المعنى قد يكون كليا كالانسان فإنه جزء الحيوان ، وهو كلى في نفسه . وأما بالمعنى الأول فلا يكون كليا البتة . والثاني : أن الجزئي بهذا المعنى مضاف إلى الكلى الذي فوقه وبالمعنى الأول غير مضاف . وإذا عرفت هذا فنقول لا شك أن الشئ قد يكون جزئيا مضافا وان لم يكن جزئيا حقيقيا . أما هل يعقل أن يكون جزئيا حقيقيا ولا يكون مضافا ؟ فالأظهر أنه لا يجوز ذلك ، لأن الجزئي الحقيقي إذا حذف منه كونه ذلك المعين ، يبقى الباقي ماهية كلية . ويكون هذا الشخص داخلا تحتها ، وأخص منها . وذلك يدل على أن كل جزئي حقيقي فهو مضاف ، وان كان قد يكون جزئيا مضافا ، ولا يكون جزئيا حقيقيا . وإذا عرفت هذا فنقول : الأعم قد يكون جزء الماهية وقد يكون خارجا ، والجزئي المضاف وان كان أعم من الجزئي الحقيقي لكنه لا يكون جنسا له . لأن الجنس جزء الماهية . وكل ما كان جزءا لماهية ، فإنه يمتنع كونه مجهولا عند كونه جزءا لماهية معلومة . وهاهنا قد يمكننا أن نتصور كونه جزئيا بمعنى ذلك المعين ، وان كنا لا نعرف كونه جزئيا بالمعنى المضاف . وذلك يدل على أنه ليس أعم منه عموم الجنس .